ابن قيم الجوزية

170

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

اغمض ، أي لا تستقص . كأنك لا تبصر . وحقيقته : من إغماض الجفن ، فكأن الرائي لكراهته له لا يملأ عينه منه بل يغمض من بصره ويغمض عنه بعض نظره بغضا ، ومنه قول الشاعر : لم يفتنا بالوتر قوم وللضي * م رجال يرضون بالإغماض وفيه معنيان : أحدهما : كيف تبذلون للّه وتهدون له ما لا ترضون ببذله لكم ولا يرضى أحدكم من صاحبه أن يهديه له ؟ واللّه أحق من يختار له خيار الأشياء وأنفسها . والثاني : كيف تجعلون له ما تكرهون لأنفسكم ، وهو سبحانه طيب لا يقبل إلا طيبا ؟ . ثم ختم الآيتين بصفتين يقتضيهما سياقهما ، فقال : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ فغناه وحمده يأبيان قبوله الرديء ، فإن قابل الرديء الخبيث إما أن يقبله لحاجته إليه ، وإما أن نفسه لا تأباه لعدم كمالها وشرفها ، وأما الغني عنه الشريف القدر الكامل الأوصاف فإنه لا يقبله . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 268 ] الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ( 268 ) هذه الآية تتضمن الحض على الإنفاق والحث عليه بأبلغ الألفاظ وأحسن المعاني . فإنها اشتملت على بيان الداعي إلى البخل ، والداعي إلى البذل والإنفاق وبيان ما يدعو إليه داعي البخل ، وما يدعو إليه داعي الإنفاق ، وبيان ما يدعو به داعي الأمرين . فأخبر سبحانه أن الذي يدعوهم إلى البخل والشح هو الشيطان وأخبر أن دعوته هي بما يعدهم به ويخوفهم من الفقر إن أنفقوا أموالهم . وهذا هو الداعي الغالب على الخلق . فإن أحدهم يهم بالصدقة والبذل فيجد في قلبه